دفعتُ 150 فقط لتنظيف الحديقة… فاكتشفتُ درسًا غيّر نظرتي للعمل إلى الأبد
كان صباح السبت بطيئا كأن الأيام في مثل هذه الحالات تطلب الإذن قبل أن توجد.
كنت قد أمضيت الأسبوع كله أعد الساعات انتظارا لتلك اللحظة بلا منبه بلا رسائل بريد إلكتروني وبلا مكالمات تبدأ بعبارة هل لديك دقيقة. كان مخططي بسيطا ومقدسا قهوة ساخنة مباراة بعد الظهر واختفاء مؤقت من العالم.
كنت أرتدي قميصا خفيفا حافي القدمين والنافذة مفتوحة يصلني من بعيد صوت آلة لقص العشب قرر شخص آخرلا أناأن يستخدمها. كانت الحديقة تطلب اهتمامي منذ أسابيع عشب طال وأوراق يابسة وزاوية استولت عليها الأعشاب الضارة حتى بدت وكأن لها حقوقا في المكان. لكن ليس في ذلك السبت.
ذلك السبت لم يكن ليكون يوما إنتاجيا. كان ليكون يوما إنسانيا.
ثم رن الجرس.
رنة قصيرة جافة من تلك التي لا تحمل خيرا حين لا تنتظر أحدا.
تنفست بعمق نظرت إلى الساعة ثم إلى الأريكة ومضيت.
فتحت الباب وكانا هناك.
طفلان نحيلان سمرتهما الشمس. كان أحدهما يرتدي قبعة زرقاء باهتة والآخر يحمل مشطا للحديقة يكاد يكون بطول جسده. في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من العمر على الأكثر. عيون حية يقظة غير أن فيها ذلك اللمعان الغريب الذي ليس براءة خالصة إنه الحاجة.
تقدم الأكبر خطوة وخلع قبعته. تلك الحركة الخارجة عن زمنها أربكتني قليلا.
قال
مساء الخير يا عم. هل ترغب أن ننظف لك الحديقة نزيل الأعشاب ونكنس ونجمع كل شيء مقابل مئة وخمسين بيزو.
قالها سريعا كمن تمرن
نظرت من فوق كتفه. لم تكن الحديقة صغيرة ولم تكن كنسة خفيفة. كان عملا شاقا شمس وانحناء ظهور وأيد تتسخ.
حسبت في ذهني دون قصد ثلاث ساعات على الأقل.
خمسة وسبعون بيزو لكل واحد.
شعرت بانقباض غير مريح في صدري.
مئة وخمسون لكل واحد سألت.
هز الأصغر سانتي رأسه على الفور كاد الفزع يظهر عليه كأن السؤال وحده قد يفسد كل شيء.
لا لا المجموع يا عم. هكذا نحن بخير.
هكذا نحن بخير.
تلك العبارة أصابتني بقوة لم أتوقعها.
نظرت إليهما حقا هذه المرة أحذية بالية وأيد عليها آثار العمل. لم يكونا يتظاهران بالعمل. كانا يعملان بجد. لم يطلبا صدقة ولم يستجديا.
كانا يعرضان الكرامة بسعر زهيد.
فكرت في نفسي وفي أيام سبتي وفي تعبي وفي شكواي من أمور أصغر بكثير.
حسنا قلت اتفقنا.
لمعت عينا الأكبر للحظة وابتسم الأصغر كمن ربح أمرا عظيما.
دخلا دون تضييع وقت لا هواتف لا مراوغة.
ثم حدث ما لم أتوقعه.
عملا وكأن الحديقة ملك لهما.
اقتلعوا الأعشاب من جذورها لا من سطحها وكنسوا حتى الزوايا وجمعوا الأوراق والأغصان بل وحتى القمامة التي لم تكن مني. وفي لحظة ما رأيت الأصغر ينظف الرصيف خارج المنزل.
قلت لهما
لا حاجة إلى ذلك.
فأجاب ماتيو بهدوء صادق
لا بأس يا عم هكذا يكون الأمر جيدا.
ترددت العبارة في ذهني أكثر مما ترددت في الهواء.
هكذا يكون جيدا.
لم يقل يكفي.
ولم يقل انتهى.
قالها وكأن الجودة غاية بحد ذاتها لا وسيلة وكأن العمل لا يقاس بانتهائه بل بطريقة إنجازه.
جلست على الدرجة الحجرية أمام الباب وكانت القهوة قد فقدت حرارتها منذ زمن. لم أعد أشعر بالضيق ولم أعد أفكر في المباراة التي كنت أعدها أهم حدث في يومي. ما كنت أشاهده أمامي كان أصدق وأعمق.
في عالم يتسابق فيه الناس نحو المختصر ويبحثون عن الحيلة ويقيسون النجاح بأقل جهد وأسرع نتيجة كان هذان الطفلان يقدمان درسا صامتا لا يلقى في قاعة ولا يكتب في كتاب
إتقان بلا جمهور وعمل محكم حتى حين لا يراقبه أحد واحترام للجهد لا يحتاج إلى تصفيق.
حين انتهيا لم يرفعا صوتهما ولم يستعرضا ما فعلاه. طرقا الباب بهدوء.
وقفت أمامهما فرأيتهما مغمورين بالعرق وأيديهما داكنة من أثر التراب وملامحهما متعبة لكن ظهريهما كانا مستقيمين ونظرتهما ثابتة.
كانا فخورين لا متباهيين.
أخرجت المحفظة. لم أرد أن أحول اللحظة إلى خطاب ولا أن أفسدها بالمبالغة. وضعت في يديهما ستمئة بيزو ببساطة تليق بما فعلاه.
تراجع ماتيو خطوة إلى الخلف كأنه اصطدم بشيء غير متوقع.
قال مترددا
عفوا أظن أنك أخطأت. اتفقنا على مئة وخمسين.
انحنيت حتى صرت في مستواهما لا من باب التواضع فقط بل لأن بعض الكلمات لا تقال من عل.
نظرت في أعينهما وقلت بهدوء
لم أخطئ. أنتما تقاضيتم أجر التنظيف نعم لكنكما لم تعملا كمن يؤدي مهمة عابرة بل كمن يحترم ما يفعل. أريدكما أن تسمعا أمرا
قبض الأصغر على الأوراق النقدية بيديه المتسختين. كانت أصابعه ترتجف لا خوفا بل دهشة.
ارتفعت أنفاسه وامتلأت عيناه بالدموع كأن المبلغ لم يكن مجرد مال بل اعترافا طال انتظاره.
قال بصوت متهدج
شكرا شكرا حقا يا عم.
غادرا المكان بخطوات سريعة لكن حديثهما كان واضحا. لم يتكلما عن ألعاب ولا عن حلوى ولا عن أشياء عابرة. كان حديثهما عن البيت وعن ما سيأخذانه معهما وعن ما يمكن أن يتغير.
أغلقت الباب خلفهما وشعور غريب يملأ صدري. شعور طيب عميق لا يشبه الفرح السريع ولا الرضا العابر بل يشبه الطمأنينة.
ظننت أن القصة انتهت عند ذلك الحد.
لكنني كنت مخطئا.
بعد أسبوعين سمعت الجرس مرة أخرى.
لم يكن مفاجئا هذه المرة لكنه لم يكن متوقعا أيضا.
فتحت الباب.
كان ماتيو. وحده.
وقف أمامي بثبات لكن في عينيه شيء مختلف.
قال
مساء الخير يا عم. أخي لم يستطع المجيء اليوم. إنه مريض.
هل هو بخير سألت.
أومأ برأسه بالإيجاب لكنه خفض نظره كأن الإجابة لا تطمئنه تماما.
تردد قليلا وكأن الكلمات تحتاج إلى شجاعة إضافية لتخرج ثم قال بصوت خافت
أردت أن أسأل هل يوجد عمل
لم يكن في سؤاله إلحاح ولا استعجال ولا محاولة ضغط. كان سؤالا بسيطا صادقا يحمل في داخله أكثر مما تقوله
ناولته كوبا من الماء وأجلسته في الظل حيث يخف وطء الشمس.