كان ابن المليونير اعمى
عاش في ظلام دام اثني عشر عاما ولم يشك أحد قط في السر المرعب المختبئ داخل عينيه.
ريكاردو قطب التكنولوجيا المعروف لم يترك بابا إلا وطرقه. نقل ابنه إلى نخبة الأطباء في سويسرا وأنفق ثروات طائلة على علاجات تجريبية محفوفة بالمخاطر بل لجأ حتى إلى معالجين من أدغال بعيدة يؤمنون بطقوس لا يعترف بها العلم.
لكن لا شيء تغير.
كان ماتيو ابنه الوحيد ووريث إمبراطوريته الضخمة يعيش في ظلام كامل.
التشخيص لم يتبدل يوما عمى غير مفسر وغير قابل للعلاج.
ومع مرور السنوات اضطر ريكاردو إلى تقبل الحقيقة القاسية. كان يراقب ابنه وهو يتحسس طريقه في عالم غارق في الثراء عالم لم يكن قادرا على رؤيته أو التمتع به حقا. قصور حدائق لوحات نادرة وبيانو فاخر كلها كانت بالنسبة لماتيو مجرد أصوات وروائح وملمس بارد.
لم يكن ماتيو ضعيفا.
لكن الظلام علمه الصمت.
في ذلك اليوم كان ماتيو يجلس في الحديقة الخلفية تحت شجرة قديمة يعزف على البيانو الخارجي الذي أصر على الاحتفاظ به. كانت أنامله تتحرك بثقة على المفاتيح كأن الموسيقى أصبحت طريقته الوحيدة لرؤية العالم.
كان ريكاردو يراقبه من بعيد بقلب مثقل حين حدث ما لم يكن في الحسبان.
دخلت فتاة صغيرة إلى العقار.
لم تأت من البوابة الرئيسية بل تسللت من فتحة في السياج الخارجي. كانت ترتدي ثيابا بالية وقد بدت نحيلة
كانت صوفيا.
فتاة شارع معروفة في الحي القريب بتسولها عند الزوايا.
اندفع الحراس فورا لإخراجها لكن قبل أن يلمسوها رفع ماتيو يده فجأة.
توقف الجميع.
لم يكن يرى لكنه شعر بها.
بشيء في حضورها أربك سكون الظلام الذي عاش فيه سنوات طويلة.
لم تطلب صوفيا مالا.
لم تمد يدها.
لم تنظر إلى القصر بانبهار.
اقتربت خطوة وقالت بصوت مباشر صادق لا يعرف المراوغة بصراحة طفل لا يملك شيئا ليخسره
عيناك ليستا معطوبتين. هناك شيء في داخلهما يمنعك من الرؤية.
تصلب ريكاردو في مكانه.
كان الكلام إهانة صريحة.
كيف لطفلة فقيرة متسولة أن تدعي معرفة ما عجز عنه أشهر أطباء الأعصاب في العالم
كيف تجرؤ
لكن ماتيو بهدوء غير متوقع مد يده نحوها وأمسك يدها الصغيرة ووجهها بلطف إلى وجهه.
ترددت صوفيا لحظة ثم وضعت أصابعها المتسخة على خديه.
كانت هادئة مركزة كأنها تفعل أمرا تعرفه جيدا.
ثم ومن دون تردد أدخلت ظفرها تحت جفنه.
صرخ ريكاردو غاضبا
ابعدي يديك عنه فورا!
لكن صوفيا كانت أسرع.
بحركة واحدة حادة سحبت شيئا من محجر عين ماتيو
لم تكن دمعة.
لم يكن غبارا.
كان كائنا حيا.
داكن اللون لامعا يتلوى في راحة يدها.
تجمد الدم في عروق ريكاردو.
شحب وجهه وتراجع خطوة إلى الوراء.
ما هذا
كيف
وكيف لم يره أي طبيب
لم يكن ما تمسكه صوفيا مخلوقا عاديا.
كان بحجم ظفر الإصبع تقريبا له قشرة سوداء تعكس الضوء كزيت على الماء. يشبه القرادة لكن شكله كان أكثر انتظاما أكثر هندسية كأنه صمم عمدا.
وكان يتحرك.
لم يره ماتيو لكنه شعر به.
لا في عينه هذه المرة بل في عمق رأسه كأن سدادة عاطفية حملها منذ الطفولة قد أزيلت فجأة.
ظل ريكاردو واقفا عاجزا عن الحركة بين الخوف والذهول.
صرخ أخيرا
الحرس! أمسكوا بتلك الفتاة!
لكن صوفيا لم ترتبك. فتحت كفها بهدوء.
أطلق الكائن الصغير صريرا حادا بالكاد يسمع ثم قفز.
لم يقفز نحو ريكاردو
بل إلى أرضية الرخام.
قالت صوفيا بحدة مفاجئة
لا تدوسوه! إن سحق هنا ستنشط الأبواغ وسينفجر.
توقف الجميع في أماكنهم.
بدأ الكائن يتحرك بسرعة غير طبيعية منزلقا نحو ظل البيانو كأنه يبحث عن الظلام.
همس ريكاردو وهو يلهث
ما هذا بحق الجحيم
أجابت صوفيا وهي تراقب الأثر الداكن الذي تركه خلفه
نوكتورن. تعيش حيث يفرض إطفاء الضوء بالقوة.
تكلم ماتيو حينها وكان الأهدأ بينهم جميعا
ليس وحده عيني الأخرى تحترق. كأن شبح ضوء يحاول الخروج.
ضرب الإدراك ريكاردو كالصاعقة.
إن كان هناك واحد فهناك آخر.
ركضت صوفيا نحو البيانو وانحنت عند فتحة صغيرة في قاعدته.
همست
هناك عش. ذاك كان مجرد كشاف. ولم يكن دوره سرقة بصرك.
ابتلع
سأل بصوت مبحوح
إذا ما دوره
أشارت صوفيا إلى داخل الجدار وقالت
كان يحمي ما لم تكن تريد أن تراه. والآن هم يعلمون. سنوقظهم جميعا.
لم يتردد ريكاردو هذه المرة.
قد تكون الفتاة ساحرة أو شيئا أسوأ لكنها الوحيدة التي تفهم ما يحدث.
قال ماتيو بهدوء حاسم
أزيلي الآخر. أنا أثق بك.
وللمرة الأولى لم يمنعها ريكاردو.
تقدمت صوفيا خطوة أخرى وقد تغير شيء في ملامحها. لم تعد تلك الطفلة المتسولة التي تسللت إلى القصر صدفة بل بدت وكأنها تؤدي دورا تعرفه منذ زمن.
أمسكت بوجه ماتيو برفق كما لو كانت تطمئنه قبل عاصفة.
قالت بصوت منخفض
قد يؤلم قليلا لكن إن لم نخرجه الآن فلن يخرج أبدا.
أغمض ماتيو عينيه غير القادرتين على الرؤية وشد قبضته.
لم يرتجف.
أدخلت صوفيا ظفرها مرة أخرى الحركة ذاتها الدقيقة الحاسمة المرعبة.
ومن عين ماتيو اليسرى سحبت كائنا آخر.
كان أكبر من الأول.
أكثر سوادا.
وأشد لمعانا كأنه صقل بعناية.
لم يقفز.
لم يصرخ.
ظل ساكنا في كفها كأنه ينتظر أمرا.
في اللحظة ذاتها أطلقت صوفيا صرخة حادة لكنها لم تكن صرخة خوف بل صرخة ألم مفاجئ.
صرخت وهي تتراجع خطوة
إنهم لا يحرسون الضوء فقط إنهم يحرسون شيئا أخطر.
ثم جاء الصوت.
ليس من الأرض ولا من السقف بل من عمق الجدار خلف البيانو.
صوت رطب متكاثر كأن عشرات الأجساد تتحرك في آن واحد.
تبع الصوت رائحة خانقة معدنية فاسدة تشبه مزيجا من الكهرباء المحترقة والحجر الرطب.
وضع ريكاردو يده
على