دعوة حماتي ٢ حكايات زهرة حصري
طلّعوه.. المنقذين طلّعوه وحاولوا يعملولهم تنفس صناعي، وأدهم يبكي ويصرخ ويقوله: "قوم يا نادر.. قوم يا حبيب أباك!".. بس قدر ربنا كان أسرع. نادر كان خلاص.. قطع النفس، وغرق في المية.. حتة من قلبي راحت في بطن البحر.
رجعنا البيت، بس مش زي ما مشينا. رجعنا بشنطة هدمه وكفن. الشارع كله كان بيصرخ، وسماح ضرتي أول ما شافت الجنازة قعدت تصوت وتلطم بحرقة قلب بجد. أما حماتي.. فكانت واقفة مصدومة، وشها أصفر زي الميتين، مش مصدقة إن اللسان اللي دعا بالحرقة هو اللي جاب المصيبة.
بعد العزا ما خلص، أدهم دخل البيت زي الأسد المجروح. بص لأمه بنظرة عمرها ما تترسم على وش ابن لأمه. حماتي قربت منه وبتبكي وبتقوله: "سامحني يا أدهم.. والله ما كان قصدي.. دي كانت ساعة غضب!"
أدهم بصلها بقسوة وجفاف وقالها بصوت يزلزل الحيطان: "أنتي دعيتي على ابني عشان ترضي غرورك! أنتي اللي حرمتيني من ابني بدعوتك السودا! أنا مش هسامحك يا أمي.. مش هسامحك ليوم الدين!"
حماتي اترمت تحت رجليه وبكت: "يا بني حرام عليك، ده قضاء وقدر!"
رد عليها أدهم وهو بيلم هدومه وهدومي وهدوم سامر اللي فاضل لينا: "القدر أسبابه دعوتك اللي كانت طالعة بشر وغل! أنا هاخد مراتي وابني ونمشي من البيت ده، ومش عايز أشوف وشك تاني."
أدهم أخدني أنا وسامر وسماح كمان أصرت تطلع معانا لأنها مكنتش قادرة تعيش مع حماتي بعد اللي حصل، وأدهم قال إن سماح مالهاش ذنب في أفعال أمه، وأجرنا شقة بعيدة تماماً عن بيت عيلته.
مرت الأيام والشهور، والبيت بتاعنا كان مخيم عليه الحزن. أدهم اتغير، بقى ساكت وطول الوقت سرحان ودمعته على خده. وحماتي كانت كل يوم بتتصل بيه، ترن ير فض يرد، تبعت ناس يتحايلوا عليه عشان يسامحها ويخليها تشوف سامر، وهو يرفض رفض قاطع ويقول: "أنا كل ما هشوفها هافتكر نادر وغرقانه.. مش قادر أسمع صوتها."
وبعد سنة من الوجع والكسرة.. ربنا أراد وحملت تاني. لما عرفنا، أدهم كان خايف وفرحان في نفس الوقت، كان خايف يخسر تاني. وربنا كرمنا وجبت ولد.. ولد قطعة من المرحوم. أدهم أول ما شاله بكى بحرقة وسماه على اسم أخوه "نادر".
وفي يوم، والباب خبط، فتحت لقيت حماتي واقفة على الباب.. شكلها كبر عشر سنين، شعرها شاب، وجسمها انحنى من الحزن والندم. كانت ماسكة لعبة صغيرة ومكسوفة تدحل.
أدهم أول ما شافها على الباب، وشها اتغير والدم فور في عروقه، قرب منها وقاله بقسوة: "أنتي إيه جابك هنا؟! اطلعي برة! مش كفاية اللي جرى بسبك؟!"
ولسه كان هيقفل الباب في وشها وطردها، أنا جريت وقفت بينه وبينها. حطيت إيدي على صدره وقولتله بصوت هادي ودموعي نازلة: "عشان خاطري يا أدهم.. بلاش."
أدهم بصلاني بذهول وقال: "بلاش إيه يا وفاء؟! أنتي نسيتي عملت إيه؟! نسيتي ضناكي اللي راح؟!"
مسكت إيده وقولتله: "مانسيتش.. وعمري ما هنسى يا أدهم، بس ده كان قدر ربنا وعمره انتهى في اليوم ده، لو مكنتش دعت كان برضه هيموت في نفس الساعة ونفس الدقيقة لأن ده أجله. بكلامها أو بدونه كان بيموت.. كفاية كده يا أدهم، الأم مهما عملت ومهما غلطت، فهيا أمك.. ربنا وصى بالوالدين، وبلاش نعيش العمر كله بناكل في نفسنا من الغل والوجع. سامح عشان خاطر نادر الصغير، وعشان ربنا يباركلنا فيه."
سماح ضرتي دخلت هي كمان وقالت: "صح يا أدهم.. خالتي اتقطعت من الندم السنة دي كلها، كفاية قسوة يا ابن خالي."
حماتي انهارت وبكت بصوت عالي، وانحنت وبست إيدي ودموعها بللت إيدي وقالتلي: "سامحيني يا وفاء.. سامحيني يا بنتي والله العظيم قلبي بيتقطع كل لحظة، أنا حرمت نفسي منكم ومن حفيدتي بسبب لساني والشيطان.. سامحيني."
أنا ما استحملتش المشهد، قربت منها وحضنتها جامد، وبقينا بنبكي إحنا الاتنين. أدهم بصلنا، وشه كان بيعبر عن صراع رهيب جواه، صحيح هو مش قادر ينسى الدعوة ولا قادر ينسى لحظة غرق ابنه، بس كلامي لمس قلبه، وعرف إن رضا الأم وطاعتها فرض حتى لو كانت غلطانة.
أدهم أخد نفس طويل ودموعه نزلت، قرب من أمه وأخدها في حضنه من غير ولا كلمة.. كان حضن مليان وجع وندم ومسامحة بالعافية.
ورجعنا نعيش سوا، حماتي اتغيرت تماماً وبقت بتعاملني أنا وسماح زي بناتها وأكتر، وبقت تخاف على نادر الصغير وسامر من الهوا الطاير. وأدهم رغم إن الجرح في قلبه لسه معلم وأوقات بيبص لأمه ويسرح في ذكرى ابنه اللي راح.. إلا إنه كان عارف إن بر أمه وطاعتها واجبة، وإن العفو عند المقدرة هو الحجة الوحيدة اللي بتخلي الحياة تستمر.