في عيد ميلادي

لمحة نيوز

اختفت ابتسامة سيف للمرة الأولى.
وتحوّل وجهه إلى شحوبٍ مفاجئ وهو يحدّق في الورقة الأولى.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وفجأة
توقفت أنفاسه.
لأن الاسم المكتوب أسفل العقود
لم يكن اسمه.
رفع رأسه نحوي بسرعة، وعيناه ممتلئتان بالذعر.
ما هذا؟
وضعتُ استكانة الشاي بهدوء فوق الصحن الصغير.
ثم قلت
اقرأ جيدًا يا سيف.
اقتربت زهراء من الملف بسرعة، ويدها ترتجف تحت عباءتها السوداء.
بدأت تقلب الأوراق بعصبية.
عقد البيت.
الورشة.
الحساب الاستثماري.
التأمين.
كل شيء.
كل شيء تقريبًا خرج من يد سيف دون أن يشعر.
شهقت فجأة وهي تنظر إلى الصفحة الأخيرة.
الأحفاد؟
قلت بهدوء بارد
البيت أصبح محفوظًا باسم آدم ورقية داخل وصاية قانونية حتى يبلغا السن القانونية.
سقط الصمت فوق السفرة دفعة واحدة.
حتى الأطفال توقفوا عن الحركة.
أما سيف
فأغلق الملف بعنف حتى اهتزت الملاعق فوق الطاولة.
أنت لا تستطيع فعل هذا!
ومن خلف الباب
خرج فاضل أخيرًا.
بدلته الداكنة.
ملفه الجلدي.
ونظرته الثقيلة التي جعلت زهراء تتراجع خطوة كاملة للخلف.
قال بهدوء
كل شيء تم رسميًا وبالقانون يا سيف.
تجمّد وجهه.
ثم بدأ يقلب الأوراق بعصبية أكبر.
وفجأة توقف عند إحدى الصفحات.
اتسعت عيناه بصدمة حقيقية.
ألغيتَ التوكيل البنكي؟
أجاب فاضل
بل جميع التوكيلات.
الحسابات.
صلاحيات الورشة.
دفاتر الشيكات.
وأي إجراء مالي كان يسمح لك بالتصرف باسم والدك.
تجمّدت زهراء فورًا.
ماذا يعني هذا؟
فتح فاضل ملفًا

آخر بهدوء.
ثم قال
بعد مراجعة التحركات المالية الأخيرة، اكتشفنا محاولات استفسار عن رهن الورشة والبيت قبل نقل الملكية أصلًا.
شهقت زهراء
رهن؟
ثم أخرج مجموعة أوراق مختومة رسميًا.
قروض متراكمة.
إشعارات تأخير.
مطالبات مالية.
وأسماء مكاتب تحصيل ديون.
بدأ لون وجه زهراء يختفي تدريجيًا.
ثم همست ببطء
قلتَ لي إنها ديون مشروع
لكن سيف لم يرفع عينيه.
فقال فاضل بهدوء ثقيل
لو كانت مشاريع لما حاول بيع الورشة فور نقلها باسمه.
ثم أضاف
ولدينا تسجيلات تثبت دخوله الورشة ليلًا وتصوير العقود.
في تلك اللحظة
دخل أبو علي وجاسم من الباب.
وجوههما متعبة.
وأيديهما خشنة من سنين العمل.
وضع أبو علي جهازًا صغيرًا فوق الطاولة.
ثم ظهرت اللقطات.
سيف داخل المكتب بعد منتصف الليل.
يفتح الخزنة.
يفتش الأدراج.
ويصور العقود بهاتفه.
شهقت زهراء وهي تضع يدها فوق فمها.
أما أنا
فلم أعد أرى ابني.
بل رجلًا غريبًا يجلس في بيتي ويراقب موتي بصبر.
قال سيف فجأة بغضب
نعم فعلت!
ارتفع صوته للمرة الأولى.
لأنكم جميعًا كنتم تعاملونني كطفل!
ضرب الطاولة بيده حتى ارتجفت استكانات الشاي.
العمال كانوا أقرب إليك مني!
الورشة لهم!
البيت لهم!
وأنا ماذا كنت؟!
ساد الصمت.
حتى الأطفال تجمّدوا في أماكنهم.
أما أنا
فشعرتُ بشيء بارد يمر داخل صدري.
لأن جزءًا مني
عرف أنه لا يكذب بالكامل.
أكمل وهو يحدّق نحوي بعينين متعبتين
كنتَ دائمًا الحاج كاظم
الرجل الذي يخافه الجميع ويحترمه الجميع.

أما أنا
فكنتُ مجرد ابن يعيش في ظلك.
ارتجفت رقية الصغيرة وهي تنظر إلى والدها بخوف.
أما آدم
فبدأ بالبكاء بصوت منخفض.
فشعرتُ بأن البيت كله ينهار أمام الأطفال.
قال فاضل بصرامة
اخفض صوتك يا سيف.
لكن سيف لم يتوقف.
بل نظر إليّ مباشرة وقال
نعم
كنتُ أنتظر موتك.
سقطت الجملة فوق السفرة كالرصاص.
حتى زهراء تراجعت للخلف وكأن أحدهم صفعها.
ثم همست
سيف!
لكنه أكمل بصوت متعب ومكسور
لأن حياتي كانت متوقفة.
كنتُ أعيش في انتظار دوري فقط.
كل شيء كان باسمك.
كل شيء كان تحت سيطرتك.
وأنا
كنتُ مجرد رجل ينتظر أن يُسمح له بالحياة.
لم أشعر بالغضب.
بل شعرتُ بحزن ثقيل.
حزن رجل اكتشف متأخرًا أن المسافة بينه وبين ابنه كانت أكبر بكثير مما تخيل.
لكن ذلك
لم يمحُ الخيانة.
رفعتُ رأسي نحوه وقلت بهدوء
كان يمكنك أن تطلب مساعدتي
لا أن تنتظر جنازتي.
انهار سيف على الكرسي.
وأخفض رأسه بين يديه.
أما زهراء
فجلست تبكي بصمت وهي تنظر إلى أوراق الديون وكأنها ترى حياتها تتحطم أمامها.
ثم قالت فجأة وهي تنظر إليه
هل القمار حقيقي؟
لم يجب.
صرخت بصوت مرتجف
انظر إليّ يا سيف!
لكنه ظل صامتًا.
وكان ذلك أسوأ اعتراف ممكن.
وضعت زهراء يدها فوق رأسها وكأنها فقدت القدرة على التنفس.
يا إلهي
كنتَ تخسر أموالنا كلها؟
أجاب أخيرًا بصوت خافت
في البداية ظننتُ أنني سأعوض كل شيء.
ضحك فاضل بمرارة.
هذه هي الجملة التي يقولها كل رجل يغرق في الديون.
رفع سيف رأسه بعصبية
لا تتحدث وكأنك
تعرفني!
لكن فاضل لم يتراجع.
أنا لا أعرفك
أنا فقط رأيت عشرات الرجال الذين خسروا بيوتهم بالطريقة نفسها.
ثم فتح ملفًا جديدًا.
هناك قروض شخصية.
وبطاقات ائتمانية.
ومبالغ مستحقة خلال أسابيع.
تجمّدت زهراء.
أسابيع؟
أجاب فاضل
ولو لم تُسدّد
كانت الجهات الدائنة ستبدأ بإجراءات قانونية.
ثم نظر نحوي وأكمل
لهذا كان يريد نقل الورشة باسمه بسرعة.
خفض سيف رأسه مرة أخرى.
أما أنا
فبدأت أفهم أخيرًا حجم الكارثة التي كانت تقترب من البيت دون أن أشعر.
قال أبو علي بصوت هادئ
قبل شهرين
وجدناه داخل الورشة بعد منتصف الليل.
وأضاف جاسم
وعندما سألناه، قال إنه يراجع الحسابات.
تنهد أبو علي بحزن
لكنه كان يصور العقود.
أغمضتُ عيني للحظة.
لأن الورشة لم تكن مجرد مكان عمل بالنسبة لي.
كانت عمري كله.
عرقي.
وشبابي.
وسنوات الجوع والتعب.
وفكرة أن ابني كان يستعد لبيعها
بدت كأن أحدهم يقتلع قلبي ببطء.
قالت زهراء وهي تبكي
لماذا لم تخبرني بالحقيقة؟
أجاب بصوت متعب
لأنني كنتُ أخجل.
ثم رفع عينيه نحوي فجأة وقال
هل تعرف ما الأسوأ يا أبي؟
لم أجب.
فقال
أنني كنتُ أكره نفسي كل ليلة
لكنني كنتُ أعود وأفعل الشيء نفسه.
ساد الصمت مرة أخرى.
وفي الخارج
ارتفع أذان المغرب.
فدخل الصوت إلى البيت كأنه يقطع ذلك الاختناق للحظة قصيرة.
نظر آدم نحوي بعينين دامعتين.
ثم اقترب ببطء وتمسّك بثوبي.
جدي
هل أبي سيأخذ البيت؟
أغلقتُ عيني للحظة.
لأن السؤال كان أقسى من كل الأوراق والديون.

نظرتُ إلى الطفل الصغير.
ثم إلى ابني المنهار أمامي.
وقلت بهدوء موجع
لا يا حبيبي
البيت سيبقى بيتكم.
بدأ آدم بالبكاء أكثر.
أما رقية
فكانت تنظر إلى والدها وكأنها لا تعرفه.
ثم سألت بصوت مرتجف
بابا
أنت
 

تم نسخ الرابط