حكايات روماني مكرم الثاني
جالي صوته ملهوف وفيه سنة توتر واضحة:
"سارة.. أنا نسيت موبايلي عندك على الكنبة، معلش نزلت مستعجل ومخدتش بالي.. أنا تحت البيت دلوقتي، ممكن تنزلي تديهوني؟"
نزلت؟ لا يا حازم، أنا مش هبله.
قلتله ببرود غريب عليا نفسي:
"لا يا حبيبي، أنا تعبانة ومش قادرة أنزل السلم، هخلي ريم أختي تنزل تديهولك."
سمعته اتنهد براحة وقال:
"ماشي يا حبيبتي، خليها تستعجل بس عشان ورايا مشوار."
قفلت السكة. نديت على ريم، واديتها الموبايل وقلتلها: "خدي اديه لحازم تحت، وماتتكلميش معاه ولا كلمة، سلمي وامشي." ريم بصت لملامحي المخطوفة وفهمت إن فيه حاجة كبيرة، هزت رأسها ونزلت جري.
أنا بقى ماضيعتش ثانية. دخلت أوضتي، مسكت موبايلي، وفتحت تطبيق البنك. إيدي كانت بترتعش وأنا بكتب الباسورد القديم، وبسرعة دخلت على الإعدادات وغيرت الباسورد بتاع الأبليكيشن، وغيرت الرقم السري بتاع الفيزا نفسها من الأبليكيشن، وعملت إيقاف مؤقت للكارت كله لحد ما أشوف هعمل إيه.
قعدت على السرير ودموعي نزلت حامية على خدي. أنا كنت هضيع.. كنت هسلم نفسي لواحد حاط عينه على قرشي قبل ما يحط عينه عليا. أنا اللي كنت بشتغل ورديتين، وبنزل في المطر والحر عشان أساعد أبويا في علاج الكيماوي وأجهز نفسي عشان ما أضغطش على حد.
عدى الليل ده وأنا منمتش دقيقة واحدة. الفجر أذن وأنا باصة للسقف، وبفكر في كل كلمة قالها وكل موقف عمله. افتكرت لما كان بيحسب ورايا تمن الفستان اللي اشتريته في خطوبة
الساعة 10 الصبح، لقيت تليفون البيت بيرن. أمي ردت، ولقيتها بتناديني:
"سارة.. طنطك أم حازم على التليفون عاوزاكي."
أمي كانت بتبصلي بقلق، لأنها حاسة إن الأجواء مش طبيعية من يومين.
أخدت السماعة وقلت بجمود:
"أيوة يا طنط.. صباح الخير."
جالي صوتها المحمل بالسم، مفيش بقى مقدمات ولا "حبيبتي" بتاعت زمان:
"صباح النور يا سارة. بصي بقى يا بنتي، إحنا ناس دغري ومابنحبش اللف والدوران. حازم جالي امبارح متضايق، وبيقول إنك مغيره الباسوردات كلها وحسابك اتقفل لما جه يجرب يدخل يشوف حاجة. إنتي بتلعبي معانا؟ إنتي فاكرة نفسك هتكسري كلام ابني؟"
أنا هنا متمالكتش نفسي من الضحك. ضحكت بصوت عالي غيظها أكتر.
"بتضحكي على إيه؟ إنتي قليلة الأدب وصحيح مامتكيش ماعرفتش تربيكي!"
هنا بقى، التعبانة الخايفة ماتت، واتولدت سارة تانية خالص.
قلت برزانة وصوت قوي زلزل السماعة:
"احترمي نفسك يا طنط وانتي بتتكلمي عن أمي. أمي ربتني وعلمتني إزاي أحافظ على شقايا. وابنك الحرامي اللي باعتّاه يسرق حسابي البنكي، قولي له إن الفيزا اتعملها بلوك، والأبليكيشن اتغير، ولو شفت وشه أو وشك تاني، أنا هعمل محضر في مباحث الإنترنت بمحاولات الاختراق اللي ظاهرة عندي على السيستم بالوقت والتاريخ والمكان!"
السماعة سكتت تماماً. الست اتصدمت، مكنتش متوقعة إن "سارة" الهادية المؤدبة هتقلب بالمنظر ده.
قالت بتلعثم وغضب:
"محضر؟ إنتي بتهددينا يا مقصوفة الرقبة؟ إحنا اللي مش عاوزينك، وإبني ألف مين تتمناه، والشبكة بتاعتنا هتيجي تاخديها جزمة فوق رقبتك!"
قلت بابتسامة نصر:
"الشبكة في علبتها، والـ 50 ألف جنيه اللي ابنك استلفهم مني بحجة إنه بيكمل تمن خشب الصالون، هيرجعوا قبل ما علبة الشبكة تخرج من البيت، وإلا وربنا يا طنط هفضحكم بالرسائل اللي معايا في كل حتة. سلام يا طنط."
وقلت قايدة السكة في وشها زي ما عملت معايا امبارح.
أمي كانت واقفة ورايا، حاطة إيدها على صدرها ومبرقة عينيها:
"يا لهوي يا سارة! إيه اللي حصل؟ حازم سرقك؟"
قعدت أمي وحكيتلها كل حاجة بالتفصيل، من أول مكالمة الفيزا لحد الرسالة اللي شوفتها على موبايله ومحاولة الدخول على حسابي. أمي دموعها نزلت وبدأت تدعي عليهم:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيهم.. النهب ده كله؟ ده إحنا كنا بنقول عليه غلبان وشاريكي! الحمد لله يا بنتي إن ربنا كشفهملك قبل ما تتكتبي على اسمه وتقعدي معاه في بيت واحد يقفل عليكي باب."
دخلت أوضتي، ولميت كل حاجة تخص حازم. الدباديب، الهدايا الرخيصة اللي كان بيجيبها ويقعد يمنّ عليا بيها، الصور اللي بتجمعنا.. حطيت كل ده في كرتونة كبيرة، وحطيت علبة الشبكة فوقهم.
بعد العصر، لقيت رسايل نازلة طخ طخ على الواتساب من حازم.
"إنتي اتجننتي؟ إزاي تطردي أمي في
"أنا جاي دلوقتي أخد شبكتي، والفلوس اللي بتتكلمي عليها دي مالكيش دعوة بيها، دي كانت مساعده منك لجهازنا!"
رديت عليه برسالة واحدة ووويس نوت (تسجيل صوتي):
"الفلوس هترجع يا حازم، والكرتونة بحاجتك جاهزة عند البواب. لو عتبت باب الشقة أو كلمت حد من أهلي، سكرين شوت محاولة السحب ورسالة مامتك هتكون على صفحة منطقتكم وفضحيتكم هتبقى بجلاجل. اخلص وهات الفلوس وخد دهبك."
ساعة بالظبط، ولقيت البواب بيخبط.
"يا ست سارة.. الأستاذ حازم تحت في العربية، وبعتلك الظرف ده، وبيقولك هاتي الأمانة اللي عندك."
أخدت الظرف، عديت الفلوس.. 50 ألف جنيه كاملين.
بصيت لريم وأمي وقلت: "الحمد لله.. حقنا رجع."
اديت البواب الكرتونة الكبيرة وعلبة الدهب، وقلتله: "سلمهم له وقوله طريقك أخضر."
وقفت في البلكونة وبصيت عليه وهو بياخد الكرتونة من البواب، ويحطها في شنطة العربية وهو بيبص لفوق بغل وعينيه حمرا من الغيظ. مكنتش حاسة بكسرة، ولا حاسة بندم. بالعكس، كنت حاسة إن جبل وانزاح من على صدري.
المروحة القديمة في أوضتي كانت لسه بتطلع نفس الصوت المزعج، بس المرة دي الصوت مكنش مضايقني.. كان بيذكرني إني لسه في أوضتي، لسه حرة، ولسه شقايا وتعب سنيني في جيبي، ومحدش قدر يكسرني أو يستغلني.
بصيت لشهادة التخرج بتاعتي المتعلقة على الحيطة، وابتسمت.. الست تقدر تعمل كل حاجة، وتشيل بيت، وتصرف على عيلة، بس لما تلاقي الراجل السند اللي يصونها، مش الحرامي اللي
تمت النهاية.