تبرعت لاختي بكليتي حكايات الهواري
الساعة كانت عدت السابعة بدقايق قليلة، والهدوء في البيت كان تقيل بشكل يخوف مش الهدوء اللي يريح، لكن اللي يخلي القلب يدق أسرع.
وفاء كانت واقفة في المطبخ، بتبص على السفرة اللي رتبتها بإيدها كل حاجة في مكانها، كل تفصيلة محسوبة، حتى الابتسامة اللي على وشها كانت متدربة كويس قدام المراية.
خرجت لهم بهدوء، وقعدت قدامهم وقالت بنبرة ثابتة يلا افتحوا أنا متشوقة أشوف رد فعلكم.
إيهاب حاول يضحك إيه المفاجأة الكبيرة دي يا وفاء؟
كاريمان بصت له نظرة سريعة، فيها قلق مستخبي، وبعدين بدأت تفتح الطبق.
أول ما الغطا اتشال ساد صمت غريب.
مفيش أكل.
إيد كاريمان بدأت ترتعش، وإيهاب حاول يتماسك وقال إيه ده؟
وفاء سابتهم لحظة يستوعبوا، وبعدين قالت بهدوء مرعب
وفاء ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن عينيها كانت مليانة وجع متخبي لما الواحد يتكسر بيتحول لحاجة تانية خالص حاجة تعرف تدور ورا الحقيقة لحد آخرها.
سكتت لحظة وبعدين كملت
كاريمان بصت لها بعينين مليانين دموع، لأول مرة مش قادرة تتكلم.
وفاء كملت أنا جبت ده عشان أديكم اختيار.
إيهاب قال بسرعة اختيار إيه؟
وفاء سحبت ورقة تانية من الملف، وحطتها قدام إيهاب ده عقد طلاق بكل حقوقي وبحق بنتي وبشروط واضحة.
بص في الورق، وكل سطر كان تقيل عليه أكتر من اللي قبله.
إنت هتخرج من حياتي بهدوء من غير مشاكل من غير لكن بشروط تحافظ على بنتنا وتضمن مستقبلها.
رفع عينه لها ولو ما وافقتش؟
وفاء بصت له بثبات يبقى الملف ده مش هيبقى في البيت بس.
الصمت رجع تاني بس المرة دي كان أقسى.
كاريمان فجأة قالت بصوت مكسور وفاء أنا
رفعت إيدها توقفها مافيش كلام دلوقتي الكلام جه متأخر قوي.
وبعدين بصت لها نظرة مختلفة مش بس غضب كان فيها ألم أعمق بكتير
كاريمان انهارت وبكت، بس وفاء ما اتحركتش.
مش قسوة لكن لأن في حاجات لما بتتكسر ما ينفعش تتصلح بالدموع.
إيهاب أخد القلم إيده كانت بتترعش وبص لوفاء مرة أخيرة ده قرار نهائي؟
وفاء قالت بهدوء أنا أخدت القرار من يوم ما عرفت الحقيقة النهارده بس جيت أنفذه.
وقّع.
بمجرد ما خلص، وفاء لمّت الورق
العشا خلص.
إيهاب قام وهو حاسس إن الأرض بتسحب من تحته خرج من البيت من غير ما يبص وراه.
كاريمان فضلت مكانها بتبكي بصوت مكتوم.
وفاء وقفت عند الباب، وقالت من غير ما تبص لها اللي بينا انتهى بس اللي عملته أنا كان بإرادتي عشان أدي حياة مش عشان آخد حاجة.
كاريمان قالت وسط دموعها أنا ما استاهلش
وفاء ردت أيوه ودي الحقيقة الوحيدة اللي اتقالت النهارده.
خرجت كاريمان بعد شوية والبيت رجع هادي تاني.
وفاء دخلت أوضتها قعدت على السرير وساعتها بس سمحت لنفسها تعيط.
مش على حد فيهم.
لكن على نفسها على السنين على الثقة اللي راحت.
عدى وقت أيام بقت أسابيع.
وفاء بدأت تجمع نفسها من جديد خطوة خطوة.
اهتمت ببنتها بشغلها بنفسها.
كانت بتتعب بس كانت بتقوم تاني.
أما إيهاب فاختفى من حياتها تمامًا التزم بالاتفاق يمكن خوف يمكن ندم لكنها ما اهتمتش تعرف.
كاريمان حاولت تكلمها كذا مرة رسائل مكالمات حتى جت لحد البيت.
لكن وفاء ما فتحتش الباب.
مش كره لكن لأن في أبواب لما بتتقفل
وفي يوم وقفت وفاء قدام المراية بصت لنفسها وقالت بهدوء
أنا خسرت ناس بس كسبت نفسي.
وابتسمت لأول مرة من قلبها.
القصة الثانية
لم أتخيل يومًا أن يأتي الوقت الذي تودّعني فيه عائلتي دون أدنى لمحة حزن. وقفنا معًا، نبدو كعائلة لكن في داخلي كنت أشعر بالحقيقة. لم يكن هناك حب في كلماتهم، ولا حاجة لوجودي، ولا مكان لي في حياتهم.
رأيت ذلك في أعينهم أصبحت عبئًا.
وأحيانًا كانوا يقولونها بصوت عالٍ.
من الجيد أن الربيع على الأبواب. أخيرًا سنرسلها إلى الريف.
وكأنني لست إنسانة، بل حقيبة قديمة تُركن جانبًا حتى يحين موسم استخدامها.
أحفادي كانوا باردين، بعيدين. كنتي لم تحاول حتى إخفاء ضيقها مني. أما ابني؟ فكان دائم الانشغال، دائم العمل. وحتى عندما يكون في البيت لم يكن أفضل حالًا منهم. كنت أعلم أنني الغريبة بينهم.
لذلك صمتُّ. ابتلعت الإهانات. وبدأت أعدّ الأيام حتى الربيع فرصتي الوحيدة لشيء من الحرية.
جاء الربيع مبكرًا هذا العام. كنت أجلس كثيرًا على المقعد