سخروا من الفلاح حكايات الهواري
عم رجب فضل واقف في مكانه، راسه مرفوعة بس عينه فيها حزن قديم مش مفهوم، والقاعة كلها ساكتة كأن الزمن اتجمّد. طايع ماسك الورقة بإيده وبيقرأها تاني وتالت، وكل مرة ملامحه بتتغيّر أكتر، لحد ما فجأة بص لأمه نيرمين بصّة ماكنتش عمرها شافتها منه قبل كده… بصّة خوف.
نيرمين اتوترت وقالت وهي بتحاول تضحك:
"فيه إيه يا طايع؟ متكبرش الموضوع.. أكيد ورقة أرض أو كلام فاضي من الفلاحين…"
لكن طايع ما ردّش. بلع ريقه بصعوبة وبص ناحية عم رجب وقال بصوت مهزوز:
"حضرتك… الورقة دي فيها توقيع تنازل نهائي عن أرض مشروع الساحل الغربي… الأرض اللي إحنا بنبني عليها أكبر استثمار للشركة… الأرض دي باسم حضرتك… يعني حضرتك المالك الأصلي ليها…"
القاعة كلها انفجرت همسات.
نيرمين اتجمدت مكانها:
"إيه؟! مستحيل! الأرض دي إحنا اشتريناها من سنين!"
عم رجب هز راسه بهدوء وقال:
"ماحدش اشترى حاجة يا بنتي… أنا كنت مأجّل الكلام ده لليوم ده بس…"
سكت لحظة،
"الأرض دي كانت أرض أبويا، وأنا ورثتها، بس في يوم من الأيام حصل نصب كبير على عيلتنا، وخدوها مننا بورق مزور. فضلت سنين أحارب عشان أرجع حقي، ومحدش صدقني عشان أنا فلاح… بس كنت ماسك كل الورق الأصلي، وكل الإثباتات."
طايع حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه:
"يعني… يعني المشروع كله اللي إحنا عاملينه…"
عم رجب قاطعه بهدوء:
"وقف على أرضي أنا."
السكوت كان مرعب. نيرمين فجأة وقعت على الكرسي، ملامحها اتبدلت تمامًا، والغرور اختفى كأنه ماكنش موجود من الأساس. واحد من رجال الأعمال الكبار اللي كانوا قاعدين بدأ يهمس:
"ده لو الكلام ده صحيح… يبقى الشركة كلها في خطر…"
طايع قرب خطوة من عم رجب وقال بصوت منكسر:
"ليه ماقلتليش؟ ليه تخليها توصل لكده في يوم فرحنا؟"
عم رجب بص له بحزن:
"كنت عايز أشوف الناس بتشوف الحقيقة بنفسها… كنت عايز أشوفكوا وإنتوا بتستهزؤوا بيا عشان تعرفوا أنا مين مش بكلامي، لكن
كارما كانت واقفة مش قادرة تستوعب اللي بيحصل. قلبها بيخبط، دموعها نازلة بس مش فاهمة هي دموع فرح ولا صدمة.
فجأة عم رجب فتح ظرف تاني كان مخبيه في الجيب الداخلي للجلبية وقال:
"وده مش كل حاجة…"
سلم الورقة لطايع تاني.
طايع فتحها، وقرأ بصوت عالي غصب عنه:
"إقرار شراكة قديم بين شركة السلاب و… رجب عبد الغني بنسبة 60% لصالحه…"
طايع رفع عينه بسرعة:
"يعني حضرتك… شريك أساسي في الشركة؟"
عم رجب هز راسه:
"كنت، ولما اتغدر بيا سكت عشان بنتي تكمل تعليمها وتعيش حياة محترمة… بس الورق ما اتلغاش."
نيرمين صرخت لأول مرة بصوت مكسور:
"إنت بتكذب! ده مستحيل!"
لكن واحد من المحامين اللي في القاعة وقف فجأة وقال:
"للأسف الكلام صحيح… التوقيعات دي مسجلة عندنا من سنين، وتم إخفاؤها في نزاع قضائي قديم."
سقوط نيرمين كان تدريجي. غرورها بدأ يتكسر قدام الناس واحدة واحدة. طايع قعد على الكرسي كأنه فقد كل حاجة.
لكن عم رجب قرب منه
"أنا مش جاي أخرب فرحك يا بني… أنا جاي أعلّمك إن الكرامة مش في الفلوس ولا في الاسم… الكرامة في إنك تحترم الناس."
بص ناحية نيرمين وقال:
"وإنتِ يا بنتي… الإهانة اللي خرجت منك النهارده، هتفضل علامة في تاريخك."
نيرمين نزلت راسها لأول مرة، ودموعها نزلت غصب عنها. الناس اللي كانت بتضحك على عم رجب إمبارح، بقوا واقفين مش عارفين يبصوا في عينه النهارده.
طايع قام فجأة، ومشى ناحية عم رجب، ووقف قدامه وقال بصوت مخنوق:
"أنا آسف… أنا ماكنتش عارف…"
عم رجب حط إيده على كتفه وقال:
"المعرفة مش في الورق يا طايع… المعرفة في القلب."
بعدها بصلي وقال:
"وبنتي… أنا مش زعلان منك، أنا فخور بيكي، لإنك ما اخترتيش الدنيا على حسابي."
كارما جريت عليه وحضنته وهي بتبكي:
"إنت عملت كل ده عشاني؟"
ابتسم وقال:
"عملت كل ده عشانك تبقي رافعة راسك… مش مكسورة زي ما حاولوا يعملوا معايا النهارده."
الفرح اتقلب تمامًا. الناس اللي كانوا