ابويا حب يساعد الثالث
البيت كله كان مستني قراري، محمود وبابا وعينيهم عليا، وأنا عقلي كان شغال زي الساعة.. الثأر البارد أطعم بكتير من المواجهات المحكومة بالعاطفة.
فتحت اللاب توب وبدأت أفرز الملفات، كان فيه "مقايسة" لمشروع حيوي كان جوزي شغال عليه حالياً مع الحكومة، وكان بيعتمد فيه على توريدات خامات تحت المستوى عشان يوفر فرق السعر لنفسه.. الفرق ده هو اللي كان بيصرف منه على "منظرة" الفرح والشبكة الألماظ اللي عايز يبهر بيها بنت السلحدار.
قلت لمحمود بصوت واثق: "محمود، أنت هتروح تقابل السلحدار.. بس مش بصفتك أخويا، أنت هتروح بصفتك صاحب شركة توريدات، وتعرض عليه صفقة في المشروع الجديد ده، وتلمح له إن 'الباشا' وضعه المالي مهزوز، وإن فيه مخالفات في التوريدات لو اتكشفت الشركة هتقع".
محمود استغرب: "طب وليه منواجهوش بالورق علطول يا عايدة؟"
رديت بابتسامة باردة: "لأ، السلحدار راجل سوق، لو عرف إننا بننتقم منه هيخاف يدخل طرف في الموضوع.. لكن لو حس إن بنته هتبدأ حياتها مع واحد 'نصاب' وممكن يسحب اسم عيلة السلحدار للنيابة،
وفعلاً، بدأ محمود يتحرك.. وأنا قعدت في البيت بتابع من بعيد. كنت بشوف صوره على "السوشيال ميديا" وهو لابس أغلى الساعات، وماسك إيد بنت السلحدار وبيضحك، والناس بتبارك له على "النسب التشريف".. كنت ببتسم وبقول في سري: "اضحك يا حبيبي.. اضحك على قد ما تقدر، لأن الضحكة دي هي اللي هتدفع تمنها غالي أوي."
بعد أسبوع، موبايلي رن.. كان هو. رديت بمنتهى الهدوء: "أيوة؟"
صوته كان مهزوز، مش هو ده "الوحش" اللي كان واقف في نص الصالة بيقل مني: "عايدة.. أنتِ عملتي إيه؟ السلحدار فسخ الخطوبة، والبنك جمد أرصدة الشركة عشان فيه بلاغات بفساد مالي.. أنتِ اللي ورا ده؟"
قمت وقفت ورحت ناحية المراية، بصيت لملامحي اللي رجعت لها الروح وقلت له: "أنا معملتش حاجة يا 'باشا'.. أنا بس سيبت الخيوط اللي كنت ماسكاها تترخي، وأنت كنت أضعف من إنك تشيل الشيلة لوحدك.. الخمسين ألف بتوع بابا النهاردة بقوا حبل مشنقة حوالين رقبتك.
سكت ثواني، وصوته في التليفون كان فيه نهجة حد بيغرق وبيحاول يتعلق بقشاية. رد عليا بصوت مكتوم: "أنتِ بتهدّي المعبد على اللي فيه يا عايدة.. ولادك ذنبهم إيه يشوفوا أبوهم بيتدمر؟"
ضحكت بمرارة وقفت لها شعره: "ولادك؟ دلوقتي افتكرت إن ليك ولاد؟ ولا خايف على منظرك قدامهم وأنت 'الباشا' اللي وقع من طوله؟ المعبد ده أنت اللي هديته لما بعت الأيد اللي اتمدت لك.. المعبد ده وقع لما فكرت إن كرامتي ملهاش تمن."
قفلت السكة في وشه من غير ما أسمع منه كلمة زيادة. وبعد ساعة، كان واقف قدام بيت بابا.. بس المرة دي مكنش داخل ببدلته الشيك ولا عربيته اللي بتلمع. كان باين عليه الانكسار، عينه في الأرض، وكتفه مكسور.
دخل الصالة، وبابا وإخواتي قاعدين زي الصقور. محمود رمى ملفات العقود قدامه على التربيزة وقاله بنبرة تقطع النفس: "إمضي.. التنازل عن نص الشركة لعايدة، والشركة التانية تتصفى وتدفع ديونها والملالي اللي هتتبقى منها هي حق السلحدار اللي نصبت عليه.. وإلا،
بص لي بعيون فيها رجاء أخير، بس أنا كنت زي الحجر. مكنتش شايفة فيه "جوزي"، كنت شايفة فيه "الدرس" اللي اتعلمته بالغالى. مسك القلم وإيده بتترعش، ومضى على التنازل.. مضى على نهاية الإمبراطورية اللي بناها من دم غيره.
وهو خارج من الباب، وقف لثانية وبص لي وقالي: "أنتِ كدة ارتحتي؟"
قربت منه وقلت له بكلمات واضحة زي حد السيف: "الراحة مكنتش في وقوعك.. الراحة في إني فهمت إني كنت أكبر بكتير من إنك تستوعبني. أنت كنت محتاج 'واجهة' لأنك من جوه فاضي، لكن أنا كنت الاساس.. والأساس لما بيتشال، البيت بيقع على صاحبه."مشي وساب وراه ريحة الخسارة، وأنا لفت لبابا وضميته. الـ ٥٠ ألف جنيه اللي بدأوا الحكاية، مكنوش مجرد فلوس، دول كانوا "اختبار" للنفوس.. والنفوس اللي بتتشري بالفلوس، بتبور بأول ريحة للغدر.
خرجت البلكونة، بصيت للسما وأنا حاسة إني حرة.. خيوط الصمت اتقطعت، والنهاردة بس بدأت روايتي الحقيقية.. رواية "عايدة" اللي مبنتش حياتها على جميل حد، لكن بنتها على قوتها
النهاية